محمد متولي الشعراوي

2991

تفسير الشعراوى

وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فو اللّه إني لأعلم ما آتاك به إلا اللّه ، فالحمد للّه الذي هداني للإسلام » « 1 » . ومثال آخر : ما رواه سيدنا جابر - رضى اللّه عنه - في غزوة ذات الرقاع . « قال : جاء رجل يقال له غورث بن الحارث فقام على رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالسيف فقال : من يمنعك منى ؟ قال : اللّه . فسقط السيف من يده فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السيف وقال : ( ومن يمنعك منى ) ؟ فقال : كن خير آخذ . قال : تشهد أن لا إله إلا اللّه ؟ قال : لا ، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك . فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال : جئتكم من عند خير الناس » « 2 » . وعندما سمع الرجل لأول مرة أن اللّه هو الذي يمنع الرسول منه وقع السيف من يده ، ذلك أن ذرات الكفر في الرجل تزلزلت وعاد إلى إيمان الفطرة ، وعندما أمسك النبي بالسيف وسأل الرجل : من يمنعك منى ؟ لم يقل الرجل : « هبل » أو « اللات » أو « العزى » فالرجل يعلم أن مسألة الأصنام كذب في كذب ، ولو كان مؤمنا بآلهته لقال أحد أسمائها . وعندما تزلزلت ذرات الكفر في كيانه عاد إلى الفطرة الأولى التي لا تكذب أبدا . وإن كذب الإنسان على الناس جميعا لا يكذب على نفسه . وكلمة « اللّه » هي التي زلزلت كفر الرجل وأعادته إلى الحق . وفي معركة بدر نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بينما ابنه عبد الرحمن كان مع الكفار ، وبعد أن أسلم ابنه بفترة جلس الولد مع أبيه يتسامران ، فقال الابن : لقد رأيتك يوم أحد فصدفت « 3 » عنك فقال أبو بكر : لكني لو رأيتك ما صدفت عنك « 4 » . فقد رأى ابن أبي بكر والده ولم يقتله ، ولا شك أن مقارنة نفسية باطنية فكرية قد حدثت بين معزة أبيه وبين مكانة هبل أو تلك الحجارة ، وعرف ابن أبي بكر أن والده أفضل بكثير من تلك الأحجار . ولكن

--> ( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير . ( 2 ) البيهقي عن جابر وفي البداية ( 4 / 84 ) . ( 3 ) صدفت عنك : أعرضت عنك . ( 4 ) أخرجه ابن أبي شيبة عن أيوب وأخرج الحاكم عن أيوب نحوه .